الصَّدَاقَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ تُقَالُ، وَ لَا عَلاقَةً عَابِرَةً تَجْمَعُهَا الْمَصَالِحُ وَ تُفَرِّقُهَا الظُّرُوفُ، بَلْ هِيَ مَوْقِفٌ صَادِقٌ يُخْتَبَرُ فِي لَحَظَاتِ الضِّيقِ قَبْلَ لَحَظَاتِ الْفَرَحِ. فَالصَّدِيقُ الْوَفِيُّ هُوَ ذَلِكَ الْقَلْبُ الَّذِي لَا يَتَغَيَّرُ مَعَ تَغَيُّرِ الْأَيَّامِ وَ لَا يَغِيبُ حِينَ يَخْتَفِي الْجَمِيعُ بَلْ يَظَلُّ سَنَدًا وَ رَفِيقًا وَ طُمَأْنِينَةً تُخَفِّفُ قَسْوَةَ الْحَيَاةِ. وَ مِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقِ نَظَمْتُ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ تَعْبِيرًا عَنْ مَعْنَى الْوَفَاءِ فِي الصَّدَاقَةِ وَ تَجْسِيدًا لِمَا تَحْمِلُهُ مِنْ قِيَمٍ نَبِيلَةٍ تَجْعَلُ مِنَ الصَّدِيقِ الْوَفِيِّ سَنَدًا لَا يُعَوَّضُ وَ رَفِيقًا يُضِيءُ دُرُوبَ الْحَيَاةِ فِي لَحَظَاتِ الشِّدَّةِ قَبْلَ الْفَرَحِ.
« الصَّدِيقُ الْوَفِيُّ نِعْمَةُ الْعُمُرِ »
الصَّدِيقُ الْوَفِيُّ إِذَا مَا ضَاقَ مُنْعَرَجُ الدُّرُوبِ
يَجِيءُ مِثْلَ ضِيَاءِ فَجْرٍ دَافِئٍ رَغْمَ الْغُرُوبِ
هُوَ السَّنَدُ الَّذِي يَبْقَى إِذَا خَانَتْكَ دُنْيَاكَ
وَ يَزْرَعُ فِي خُطَاكَ الصَّبْرَ إِنْ أَدْمَتْكَ أَشْوَاكُ الطَّرِيقِ
إِذَا مَا غَابَ عَنْكَ النَّاسُ وَقْتَ الْحُزْنِ وَ التَّعَبِ
تَرَاهُ بِقُرْبِ قَلْبِكَ مِثْلَ نَبْعِ الْحُبِّ لَمْ يَغِبِ
صَدِيقٌ وَاحِدٌ يَكْفِي لِيَمْنَحَ عُمْرَكَ الْأَمَلَ
وَ يَجْعَلُ فِي لَيَالِي الْيَأْسِ أَلْفَ كَوْكَبٍ شُعَلَا
فَلَيْسَ النَّاسُ بِالْكَثْرَةِ الَّتِي تُحْصَى وَ تُنْتَسَبُ
وَ لَا فِي الْعَدَدِ الْمَرْقُومِ الَّذِي تُغْرِيهِ الْأَلْقَابُ وَ تُكْتَسَبُ
وَ لَكِنْ يُعْرَفُونَ حِينَ تَشْتَدُّ الْمِحَنُ وَ يَشْتَعِلُ الِامْتِحَانُ
وَ تَنْقَشِعُ الْوُجُوهُ فَلَا يَبْقَى سِوَى مَعْدِنٍ قَدْ صَدَقَ أَوْ كَذَبَ
صَدِيقُ الصِّدْقِ لَا يَنْسَى رَفِيقَ الدَّرْبِ إِنْ وَهَنَ
وَ يَحْمِلُ عَنْهُ أَثْقَالَ الْأَسَى حَتَّى إِذَا ابْتُلِيَ
إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْكَ الْأَيَّامُ وَ اشْتَدَّتْ بِكَ الْمِحَنُ
أَتَاكَ بِقَلْبِ أَسَدٍ لَا يَخْشَى الرُّدَى وَ لَا يَسْتَكِينُ
يَقُولُ: أَنَا هُنَا لَا تَخْشَ عَاصِفَةً وَ لَا أَلَمَا
فَمَا خُلِقَ الْوَفَاءُ لِكَيْ يَرَاكَ الْيَوْمَ مُنْهَزِمَا
وَ كَمْ مِنْ صَاحِبٍ حَوْلَ الْفُؤَادِ يَبِيعُهُ ثَمَنًا
وَ كَمْ مِنْ مُدَّعٍ لِلْحُبِّ يَتْرُكُ عِنْدَكَ الْوَهَنَا
وَ لَكِنَّ الْوَفِيَّ يَظَلُّ نَهْرًا صَافِيًا أَبَدًا
إِذَا جَفَّتْ يَنَابِيعُ الْبَشَرِ يَبْقَى هُوَ الْمُمْتَدُّ
يُقَاسُ الْمَرْءُ بِالْأَنْفَاسِ وَقْتَ الضِّيقِ وَ الْكُرَبِ
فَخَيْرُ النَّاسِ مَنْ يَبْقَى كَظِلِّ الرُّوحِ لِلْقَلْبِ
فَطُوبَى لِلَّذِي حَازَ الصَّدِيقَ الصِّدْقَ مُتَّكَأً
فَإِنَّ الْعُمُرَ دُونَ وَفَائِهِ يَبْقَى شَظَايَا مُنْكَسِرَةً
إِذَا صَاحَبْتَ قَلْبًا صَادِقًا فَتَمَسَّكْ بِالْعَهْدِ الْوَثِيقِ
فَبَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ يُشْبِهُونَ السَّرَابَ
صَدِيقُ الرُّوحِ إِنْ حَضَرَتْ مَلَامِحُهُ بَدَا الْوَطَنُ
كَأَنَّ الْأَرْضَ مِنْ حَوْلِ الْفُؤَادِ حَدَائِقٌ وَ سَكَنُ
فَلَا تُغْرِيكَ كَثْرَةُ مَنْ يُجَامِلُ سَاعَةَ الْفَرَحِ
فَوْقَتَ الشِّدَّةِ يَظْهَرُ الْوَفَاءُ وَ يَتَسَاقَطُ الزَّيْفُ
وَ مَنْ يَمْلِكْ صَدِيقًا صَادِقًا لَنْ يَنَالَهُ الْأَسَى
لِأَنَّ بِقُرْبِهِ تَمْضِي الْحَيَاةُ وَ تُورِقُ الْآمَالُ.
بقلم الأستاذ: فتحي مصباحي / تونس

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق