للصباح رائحة الأبد
مع أول خيوط الفجر يستيقظ، يربتُ على كتف أمّي بحنان ويسبقها للمطبخ..
تتبعه بهدوءها الملائكيّ، يشعل موقد الغاز الذي أحضره هديّة لها منذ أيام، بعد أن قبض المال المتبقي من أجرته في بناءِ أحد بيوت المدينة. يطحن القهوة بمطحنته اليدويّة مع بضع حبّاتٍ من الهال، ويضيفها للإبريق الكبير. فنبدأ نحن بالاستيقاظ تباعاً حين تفوح رائحة قهوته المرّة لتملأ الفضاء حلاوةً ونشاط..
تهيّئُ أمّي إبربق الشايّ، وتعدّ زوادة من البيض المسلوق و لفافات الخبز الذي تلوّحه وتخبزه على التنّور كل حين. ثم تتناول الكثير من حبّات التمر العراقي المرصوفة بسلّال القشٍّ - والتي كانت قوافل التجارة تحضرها على الابل عبر الحدود البريّة دون قيود- ثم تضعها ضمن كيساً ورقيّاً أنيقاً، وتلفّه باتقان. بعدها تأتي بعلب حلاوة فارغة لتملأها باللبن المصفّى في الجرّة الفخاريّة، والزبدة الطازجة والتي استخرجتها للتو من خضّة اليوم..
أختي الكبيرة أيضاً لطالما أتقنت دور الأم إذ تنهض من أوّل نداء، ما أن تغسل وجهها حتى تدير إبرة الراديو على صوت العرب، لتستمتع بأغاني الصباح الخفيفة، فتساهم موسيقاها بإيقاظ الفرح والطمأنينة داخل نفوسنا، لنفتح أعيننا بابتسامات شقيّة، وبعض المشاكسات العالقة من ليلة أمس. ثم تجلس عند حافة العتبة وتقلّب الجفّ المصنوع من جلود الماعز لهذه المهمة.. و تبدأ بتوزّيع باقي المهام علينا كلما مررنا جانبها..
يتلّون الوقت، ترتجّ أرض الدار بخطواتنا، التي تمازجت مع طرقات حوافر الماشية وهي تغادر حضائرها نحو البراري القريبة. وكنت أستغرب كيف للراعي أن يفرض سيطرته على هيجانها حين تتلاقى بصغارها، وكيف تعرف كلّ شاة وليدها لترضعه، رغم تشابههم، فيجيبني أبي أن الأم تحفظ رائحة وليدها، وكذلك الخراف.
ها قد بدأت الشمس تعلن عن نفسها، نتقاسم الأعمال، رغم تذمرنا أحياناً، لكن كلمات أمّي الطيبة بحق والدي وأهمية العمل (لطالما ردّدت على مسامعنا بأن العمل عبادة)تجعلنا نمضي بإصرار.
الكبار سيذهبون مع أبي للحصاد، والصغار يتقافزون بخفّة رغم أنّ آثار النوم لاتزال عالقة بين أجفانهم، يطوقهم أبي ثلاثتهم بيديه، ثم يحمل كلّ منهم على حدى، يطبع على الخدّ النديّ بضع قبلات ويضعه على الأرض مبتسماً و مهلّلاً ليومه الجديد. يهمّ بالخروج وما تزال الصغرى تحوم حوله طمعاً بضمّة أخرى.
وأنا ما زلت أقف في المنتصف، يقترب منّي يمنحني حصتي من الدلال ويوصيني بأميّ ككلّ يوم..
يعبر العتبة، برشاقةِ شابٍّ عشريني.. وخلفه أخوتي وأخواتي الأكبر منّي، وقد لففنَ رؤوسهن بعماماتٍ بيضاء وبعضها مرقوشاً بالأسود أو الأحمر ليحفظن بشرتهن من أسعة الشمس الحارقة. والتفّ أنا حول نفسي مبتهجة بالمسؤولية التي حمّلني إياها، قبل أن أذهب صوب قن الدجاج، فيتبعني أخي الأصغر، أفلتُ الباب الخشبيّ وأراقبهم بمتعة وهم يتحرّرون من أسىرهم، ويذرون التراب لنبش حبّات القمح التي أنثرها لهم ببراعة تجعلهم يبذلون الجهد لالتقاطها، يبدأ الصغير بمطاردانه اليومية لهم، بقصد اللعب، والشمس تراوغ ريشهم الملوّن بأبدع الألوان.
ثم أعود لأمي، أناولها ماتحتاج، وأرتب لهما صينية المتي والحليب، بانتظار قدوم الجارات، ثم أحمل دلو الماء الصغير المخصّص لسقاية النباتات، تتدلى عشبة الفيّ(المدّيدة) حول عنق الخابية بغنجها المعهود متعالية عن شتلات الحبق المتناثرة حول الحوض العتيق بمحاذاة الضوء.
ما أن تنتهي أختي من أعمال الخضيض، حتى أرى ابتسامة رضى تعلو وجه أمّي، ويدها تكوّر الزبدة بنشوة..
يبدأ النهار فارداً سطوته على مقصلة الوقت الذي لم نكن نعلم كيف يمضي.
وحدها وريقات الحبق كانت تحصي أيامنا كل صيف وتبقيها عالقة بالذاكرة ..
لتعود وتتسرب من أصابع الصباح كلما فاحت رائحة الحبق....
مع أول خيوط الفجر يستيقظ، يربتُ على كتف أمّي بحنان ويسبقها للمطبخ..
تتبعه بهدوءها الملائكيّ، يشعل موقد الغاز الذي أحضره هديّة لها منذ أيام، بعد أن قبض المال المتبقي من أجرته في بناءِ أحد بيوت المدينة. يطحن القهوة بمطحنته اليدويّة مع بضع حبّاتٍ من الهال، ويضيفها للإبريق الكبير. فنبدأ نحن بالاستيقاظ تباعاً حين تفوح رائحة قهوته المرّة لتملأ الفضاء حلاوةً ونشاط..
تهيّئُ أمّي إبربق الشايّ، وتعدّ زوادة من البيض المسلوق و لفافات الخبز الذي تلوّحه وتخبزه على التنّور كل حين. ثم تتناول الكثير من حبّات التمر العراقي المرصوفة بسلّال القشٍّ - والتي كانت قوافل التجارة تحضرها على الابل عبر الحدود البريّة دون قيود- ثم تضعها ضمن كيساً ورقيّاً أنيقاً، وتلفّه باتقان. بعدها تأتي بعلب حلاوة فارغة لتملأها باللبن المصفّى في الجرّة الفخاريّة، والزبدة الطازجة والتي استخرجتها للتو من خضّة اليوم..
أختي الكبيرة أيضاً لطالما أتقنت دور الأم إذ تنهض من أوّل نداء، ما أن تغسل وجهها حتى تدير إبرة الراديو على صوت العرب، لتستمتع بأغاني الصباح الخفيفة، فتساهم موسيقاها بإيقاظ الفرح والطمأنينة داخل نفوسنا، لنفتح أعيننا بابتسامات شقيّة، وبعض المشاكسات العالقة من ليلة أمس. ثم تجلس عند حافة العتبة وتقلّب الجفّ المصنوع من جلود الماعز لهذه المهمة.. و تبدأ بتوزّيع باقي المهام علينا كلما مررنا جانبها..
يتلّون الوقت، ترتجّ أرض الدار بخطواتنا، التي تمازجت مع طرقات حوافر الماشية وهي تغادر حضائرها نحو البراري القريبة. وكنت أستغرب كيف للراعي أن يفرض سيطرته على هيجانها حين تتلاقى بصغارها، وكيف تعرف كلّ شاة وليدها لترضعه، رغم تشابههم، فيجيبني أبي أن الأم تحفظ رائحة وليدها، وكذلك الخراف.
ها قد بدأت الشمس تعلن عن نفسها، نتقاسم الأعمال، رغم تذمرنا أحياناً، لكن كلمات أمّي الطيبة بحق والدي وأهمية العمل (لطالما ردّدت على مسامعنا بأن العمل عبادة)تجعلنا نمضي بإصرار.
الكبار سيذهبون مع أبي للحصاد، والصغار يتقافزون بخفّة رغم أنّ آثار النوم لاتزال عالقة بين أجفانهم، يطوقهم أبي ثلاثتهم بيديه، ثم يحمل كلّ منهم على حدى، يطبع على الخدّ النديّ بضع قبلات ويضعه على الأرض مبتسماً و مهلّلاً ليومه الجديد. يهمّ بالخروج وما تزال الصغرى تحوم حوله طمعاً بضمّة أخرى.
وأنا ما زلت أقف في المنتصف، يقترب منّي يمنحني حصتي من الدلال ويوصيني بأميّ ككلّ يوم..
يعبر العتبة، برشاقةِ شابٍّ عشريني.. وخلفه أخوتي وأخواتي الأكبر منّي، وقد لففنَ رؤوسهن بعماماتٍ بيضاء وبعضها مرقوشاً بالأسود أو الأحمر ليحفظن بشرتهن من أسعة الشمس الحارقة. والتفّ أنا حول نفسي مبتهجة بالمسؤولية التي حمّلني إياها، قبل أن أذهب صوب قن الدجاج، فيتبعني أخي الأصغر، أفلتُ الباب الخشبيّ وأراقبهم بمتعة وهم يتحرّرون من أسىرهم، ويذرون التراب لنبش حبّات القمح التي أنثرها لهم ببراعة تجعلهم يبذلون الجهد لالتقاطها، يبدأ الصغير بمطاردانه اليومية لهم، بقصد اللعب، والشمس تراوغ ريشهم الملوّن بأبدع الألوان.
ثم أعود لأمي، أناولها ماتحتاج، وأرتب لهما صينية المتي والحليب، بانتظار قدوم الجارات، ثم أحمل دلو الماء الصغير المخصّص لسقاية النباتات، تتدلى عشبة الفيّ(المدّيدة) حول عنق الخابية بغنجها المعهود متعالية عن شتلات الحبق المتناثرة حول الحوض العتيق بمحاذاة الضوء.
ما أن تنتهي أختي من أعمال الخضيض، حتى أرى ابتسامة رضى تعلو وجه أمّي، ويدها تكوّر الزبدة بنشوة..
يبدأ النهار فارداً سطوته على مقصلة الوقت الذي لم نكن نعلم كيف يمضي.
وحدها وريقات الحبق كانت تحصي أيامنا كل صيف وتبقيها عالقة بالذاكرة ..
لتعود وتتسرب من أصابع الصباح كلما فاحت رائحة الحبق....

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق