رواية " اعترافات ظل " ج١٧
اعتراف
ازداد قلقها، شعرت بدقات قلبها تتدافع، توجهت للاستعلام عن اسمه ضمن ركاب الطائرة، فإذا بصوت، لم تخطئه، يستوطنها، منذ كانت نبتة، كان هو غارسها، وراويها، وراعيها..
- سمو البرنسيس!
جاءها صوته من خلفها، هو طارق!! ولكن من أين يأتى الصوت؟!
- نادين، أنا طارق..
ثم رفع- نظارة شمس-كان يرتديها، فأظهرت ملامحه التي اعتراها بعض الشحوب؛ جراء الحمية القاسية..
التفتت نادين مذهولة بما رأته، فمن رأته ظاهريا شخصا لم تره قبلًا، مستقيم البنية، معتدل الهامة، مشدود القامة، فأين ذاك الكرش الذي كان يميزه، وأين تلك النظارة المسجلة كماركة باسمه، وأين تلك الكتل والتضاريس التي تشبه سلسلة الجبال المتتالية؟!
- طارق!
- نعم أنا هو.
-ماااااذا حدث؟ هل أنت مريض؟! يبدو وجهك شاحبًا، ماذا بك؟ أين...ثم أشارت بيديها إشارة شبه دائرية..
- حسنا.. كنت أشفق عليك، فحينما يصحب الفراشة فيلا، لابد أن يحدث بينهما ترادف،ولا بد لأحدهما أن يقرب المسافة للآخر، بما أن الفراشة يستحيل عليها أن تنتفخ كالفيل، لذا وجب عليَّ أن أتخلص من جيش اللحوم لأرتقى إلى سموات الفراشة..
- ماذا صنعت؟! ما أراه يُعدُّ معجزةً بكل المقاييس!
- أنت من صنع تلك المعجزة، وليس أنا.
- أنا! ولكنني لم أطلب منك أن تتغير..فأنا أراك من داخلك، لا من ملامحك وقوامك.
- إذًا.. أعود كما كنت!
مبتسمة بإعجاب، لهذا الإصرار..
- لكنك أصبحت " مُز " ستتهافت عليك الجميلات، يخطبن ودك. لقد صرت في مقتبل شبابك أيها الطارق بهذا " النيولوك "
- لا أرى ولا أشعر بغير ملكة جمال متفردة ليس كمثلها شيء، اخترقت كل حصوني المؤصدة، فاستسلمتُ لهاُ دونما مقاومة..
وصلا إلى السيارة التي أقلتهما إلى أحد الفنادق، حيث يقيم طارق..
ودعته على وعد بلقائه غدا بعد المباراة النهائية، والتي سيحتفل بعدها النادي باستلام درع الدوري، حيث الفارق في النقاط عشرة كاملة مع الفريق الثاني في الترتيب..
جلس طارق في المقصورة الرئيسية، بجانب صديقه بدر، رئيس الاتحاد الكويتي، الذي حضر بصفته، ومنصبه؛ لتسليم الدرع..
لكن طارقًا، كان منشغلا بالتفكير فيمن دفعته دفعا؛ ليغير استراتيجية يومه وغده، بيد أن قلبه قد عطل كل محركات عقله، الذي استسلم له، فبات فؤاده هو القائد المسيّر، الذي سيقوم بكل الأدوار، سيشعر، ويدق، ويضخ الشوق، بل ويفكر نيابة عن العقل، ولم لا وقد بات الحاكم الآمر الناهي، وعلى الجميع الخضوع والخنوع.
دخل الفريقان، وحيَّا الجميع بعضهم البعض، وتبادلوا الورود، والمصافحة..لكن طارقا كان كالطفل الذي يفتش في الزحام عمن يمنحه السكون والهدوء، حتى إذا ما حلت أمه، سكن وهدأ وعاد إليه اتزانه..هاهي أمه وابنته وأخته وصديقته وطفلته المدلله، هاهي كل نساء الكون، هاهي مركز الكون- نادين- ترفل كفراشة لا تحط على الأرض، وكيف تحط وهي من سكان كوكب آخر!! كوكب تمنح موته الحياة، وتحيل مرارته حلاوة، وتسكن عواصفه، وتهدأ أمواجه، وتخمد براكينه، بشطر نظرة..
يالها من فراشة!!
بدات المباراة بمفاجأة، فقد أصاب فريق نادين بعض الغرور والكبر، فأيًا كانت النتيجة، سيحصلون على الدرع..
وصل فارق الأهداف إلى خمسة أهداف لصالح الفريق المنافس، فانتفضت نادين مزمجرة، توجِّهُ فريقها نحو شيء واحد، وهو الفوز، ولا شيء غيره، فما تعودت، أن تأتي من الخلف إلاقليلا، طلبت نادين وقتا مستقطعا، وجهت فريقها، وعدَّلت من طريقة اللعب، وأراحت بعض اللاعبات الكسولات، ومن ثم أمسكت بزمام المباراة من جديد، فحققت فوزا، لم يكن مفاجئا.. بعد المباراة اصطف الفريق المنافس على هيئة صفين متوازيين ليمر فريق الرواد الفائز بدرع الدورى؛ لاستلام الدرع والميداليات الذهبية، وسط تصفيق الجميع؛ تحية للفريق الفائز ولاعباته، اللاتي استحققن ذلك بجدارة، وحينما توجهت نادين لاستلام ميداليتها، وقف الجمهور؛ لتحيتها، متغنيا باسمها.
- نادووو، نادووو، نادووو.......... نادووو،نادوووو،نادوووو..
وحصة التي استطال عنقها، حتى وكأنه قد نما بوصة تجاه السماء، وكل أعضاء الإدارة تتشابك أيديهم؛ احتفاء بهذا الفوز النادر..
بعد بروتوكول تسليم الدرع دعا رئيس النادي عضوات الفريق
والجهاز الفني؛ لحفل فني كبير بعد أيام قليلة..
وجهت حصة الدعوة لطارق الدريني، فحضر، ممنيا نفسه أن يجد وقتا كافيا ليسر إلى نادين ما يكنه لها، وقد حدث ذلك حينما انشغل الجميع، بفقرة الفنان عمرو دياب، الذي خطف عقول وأبصار الحضور، فوجدها طارق فرصة، ليمسك بأطراف الحديث..
- نادين...
- لبيك يا ملهمي..
-لوددت أن أبوحك بسر عمري..
وكأنها استبقت رغبته بالإسرار إليها بمشاعره، فحاولت توجيه دفة الحديث تجاه المطرب المصري، والحفل، ومستقبلها مع الفريق..
بإصرار يعيد مقود دفة الحديث تجاه ما يريد، فقد لا تتكرر تلك الجرأة، ولربما هزمه خجله، فيما هو آتٍ ..
- نادين أنا.. أنااااا.أناااا لا أدري من أين أبدأ ولكنني، أميل لوجودك، فوجودك أحيا وجودي، وأعادني إلى قضباني؛ لأسير إلى محطتي الحقيقية..
- لا عليك، هو شعور طبيعي، فأنت معلمي ومكتشفني، ومدربي، وصانع بهجتي، وسعادتي.
- أترينه طبيعيا؟!
- طارق سأكون صريحة معك، ألاحظ اهتمامك بي هذه الأيام، وبحسِّ الأنثى، ليس اهتماما طبيعيا، لكنني و- سامحني- حاليا لا أستطيع منحك ما تود، فمازلت في مرحلة النقاهة، ومشوشة الفكر، غير مستقرة نفسيا، وعاطفيا، لا أنكر أنني أستريح لوجودك، وأفتقد غيابك عني، وبت أشعر بالضياع لهذا الغياب، ولكن في الحقيقة، لا أظن حاليا وفي المنظور القريب أنه الحب، ربما يحدث هذا فيما بعد، لا أدري.. التمس لي العذر، تجربتي الأولى حطمتني، أود أن تتفهم صراحتى، وليس معنى هذا أن أرفض قربك، ولكن دع الأيام تاتي بالجديد..