رواية ( اعترافات ظل ) ج 4
سمو البرنسيس
تحولت واحتها الحالمة التي كانت تغرسها في خيالاتها ، إلى كابوس بركاني مرعب ، أحال ربيعها الساحر إلى صيف قائظ ، كان لابد معه من أن تغير استراتيجيتها نحو مستقبلها ..
في اليوم التالي توجهت إلى النادي وهي تعلم أنه أقسم يمينًا مغلظًا ، أنها إن عصته لسوف يُؤذن هذا بطلاقها منه ، وجدتها فرصةً للخلاص ، والنجاة من غد حالك السواد ..
انتهى التدريب سريعًا قبل موعدة المحدد ، وودعت لاعباتها ومساعديها ، فمن الغد ، ستكون في صالة التدريب المجاورة؛ لمساعدة الخبير الروسي لقيادة فريق الآنسات ..
احتفل الجميع بهذه المناسبة ، التي وإن أصابتهن بالحزن ، لوداع مدربتهن الرائعة،التي صنعت منهن بطلات ، لطالما رفعن بسبب براعتها كؤوسًا علي جميع المستويات ؛ إلا أنهن تمنين لها التوفيق في موقعها الجديد ...
في نهاية اليوم توجهت إلي البيت وهي موقنة بزالزال مدمر ، ستتكرر توابعه، لكنها هيأت نفسها جيدًا لهذه المواجهة الحاسمة ..
فتحت باب الشقة ، فإذا ب ( مالك) يقف أمامها يصرخ في وجهها..
- كسّرت كلمتي با ( نادين ) !!!
- وأنت تريد آن تحطم حلمي كما حطمت أنوثتي ..
- لكن أنا أقسمت يمينًا ، أولم يعنك استمرار حياتنا معًا ? ّ
- أي حياة.هي !!! لقد قتلت روحي وطموحي ، صرت معك جسدًا بلا روح ...
- ولكنني أحبك ، أهيم بك عشًقًا ..
أصابتها نوبة ضحك هستيرية متواصلة ومتصاعدة ..
- تحب ، تهيم ، تعشق !! من الذي يتحدث أمامي ?!!
ثم تعالت مرة أخرى ضحكاتها الساخرة والتي عجزت عن السيطرة عليها ، وانتهت بنوبة بكاءٍ ونواحٍ لم يقطعها سوى ، اقتراب ( مالك) منها ، محاولًا عناقها ، فأبعدته عنها بحسمٍ و عنفٍ شديدين ، مبتعدةً عن طريقه .
- ألهذه الدرجة لا تطيقين أنفاسي ?!
- نعم ، بت أكره حياتي بسببك ، ثم وقفت أمام مرآة ، وهزت رأسها متحسرةً ، على ملامحها الشاحبةوجمالها الذابل والدموع تترقرق على خديها كأنها لمعان لؤلؤ خرج عما قليل من أعماق وجدانها .
- نادين ، لاتبكي ، أنا أسامحك .
- لكنني لن أسامحك ما حييت ، فقد أطفأت حلمي ، وافترست براءتي ، وجففت منابع رومانسيتي ، ومزقت كل خيوطٍ مددتها إليك ، عارضتُ الجميع لأجل الارتباط بك ، فأهنتني ، وأهملت سُقياي ، وحولتني إلى صحراء جدباء ، بعدما كنتُ واحةً خضراء تسعى للإقبال عليك، تنتظر آن تروي ظمأها ، فإذا بك تعرضُ عنها ، حتى أصابها جفافًا وجفاء .
عاود ( مالك) الاقتراب منها ، لكنها نفرت منه مرةً أخرى ، كأنّهُ مسٌّ شيطانيٌّ تريد أن تخرجهُ من جسدها النحيل ؛ لتتحرر كفراشة من شرنقته الخانقة ..ثم صرخت بصوت مختنق بعبراتٍ كبتتها سبع سنين من زواجٍ خرج عن خطّه الذي رسمته بعناية ...
- طلقني .
- ماذا !! أجننت !! مستحيل ، ماذا تقولين ? لاحياة لي بدونك ، أنت كل عائلتي ،
- انتهى مابيننا ، حذرتك مرارًا ، واستهنت بي ، ظنًا منك ، أنني صرت أمةً في حظيرتك ، ألم تدر أن الفراشة لا تُلمس ?! إنما تُناجي ، وأنت قصصت جناحيها ، وخنقت حريتها ..
- نادين ، لا تتسرعي ،أتوسل إليك ، سأترك البيت وآغادرك أسبوعًا ،حتى تهدأي ، ثم نتحدث مجددًا ، وسوف أغيّرُ كلّ شيءٍ لأجلك ، اذهبي للنادي ، لن أعارض انضمامك للجهاز الفني للفريق الأول ، افعلي ما يحلو لك ، أقسمُ لن أعترض على أي قرار تتخذينه بعد اليوم .
- انتهي كل مابيننا ، من الآن فصاعدًا ، قُطعت كل الأواصر التي تربطنا ، هيّا ، إن لم تذهب أنت وتغادر البيت حالا ، سأذهب أنا ، ومعي ( كريمة و زكريا ) ولن ترانا بعد اليوم .
- باكيا يتوسل :
- أرجوك ، ليس لي غيركم ، أنتم كل ما لديّ ، فضلا عن أنني لا مسكن لي سوى هنا ...كان يعلم أن (نادين) تساهم بنصيب الأسد في مصروفات البيت والإيجار وأقساط السيارة ، وحضانة الطفلين ، فماذا سيكون مصيره إن نفذت تهديدها ، سيقاتل حتى لا يكون أمرًا واقعًا ، سيفعل أي شيء لترضى عنه ، وتغفر له ، وتتجاوز عن خطاياه تجاهها.
انكب راكعا ، ثم ساجدًا يقبل قدميها ، لعلها تلين ، إن رأت خضوعه وانكساره ، لكنها دفعته بجفاء ، فقد مضى عهد الاستجداء !!
- لا فائدة من كل هذا ، لقد اتخذت قراري ، ولن أحيد عنه .
ثم دخلت غرفتها لتجمع ملابسها في حقيبة كبيرة ، وهو لا يتوقف عن التذلل والخضوع .
- لا تدمري أسرتنا ، ماذنب الطفلين ، أقسمت عليك امنحيني فرصة ثانية ..
- إذن سأغادر أنا ،طالما لن تذهب .
- لا ، سأغادر ونتحاور مجددا بعد أن تهدأي .
انصرف (مالك ) متثاقلا وهو يطأطئ رأسه ، فهو يقينا يعلم أنها إن أخذت قرارًت مؤمنة بجدواه، فلن يستطيع أهل الأرض جميعًا عن إثنائها عما قررت ، ولو اجتمعوا له .
أخبرت ( نادين ) أسرتها بما حدث ورغبتها في بدء إجراءات الطلاق بأي وسيلة كانت ، وديًا آو عن طريق قضيةخلع عاجلة، فلم تعد تطيق البقاء على لائحته ، وخيرتهم بين أن يدعموا قرارها ويساندونها في مواجهة رفضه المحتمل أو ستخوض معركة حريتها وحيدة ، كما دخلت قفصها بنفس الإصرار ، فثار الجميع عليها ، مدعين أن ( مالك ) شابٌّ طيبٌ يحبها ويستجيب لكل مطالبها - الظاهر منها - ونعتوها بالمرأة الحديدية الجبروت، وأنها إن طافت الأرض شرقًا وغربًا ، فلن تجد مثله زوجًا ...
مابال هؤلاء ، لا يعرفون من الحياة سوى مادياتها الزائلة ، ويؤمنون بمبدأ أكل عليه الدهر وشرب ألا وهو - ظل رجل ولا ظل حائط- أما هي ( البرنسيس ) ياالله لقد نسيت رغمًا عنها هذا اللقب الذي كانت صديقاتها في الجامعة ينعتونها به ، حينما يرونها تتهادى في كعبها العالي وملابسها الضيقة التي تبتاعها من أفخر الاتيلات و تجسم ذلك القوام الفرنسي بقسماتٍ أنثويةٍ لا مثيل لها ، فتخضعٌ الجميع شيبًا وشبانًا للإنصات لوقع خطواتها وتجبرهم على أن يوقفوا عقارب أبصارهم وقلوبهم لسمو ( البرنسيس ) حتى تنصرف بعيدًا وتغيب عنهم ، ومن ثم تتذكر عقارب الساعة وظيفتها فتعود للحركة ، بعدما أصابها ما أصاب تلك العيون من عطب ، لكم كانت تعشق هذا اللقب !! أو يأتي يومٌ ترتدي فيه تاج الأميرة من جديد?!!
ماعليها الآن سوى الاستعداد لمعركة البقاء ، والخلاص ، وستفعلُ أيّ شيءٍ ، لتحطم ذاك القيد الذي يحيط بعنقها الرقيق ، مهما كان الجهد ،
وأيًا كانت نتيجة ذلك ........ يتبع
رضا يونس