( مدينة العنزة الطائرة )
رسالة صوتية من صديقٍ تثير فضوله العِلمي.
" أسمعتَ عن "بيرتي كاييب"؟.
يجيب كتابياً : " لا ".
يأتيه صوت عالِم الفيزياء مجدداً :
" حالات غريبة تحدث هناك ".
يرد برسالة صوتية هذه المرة : " حالات مثل ماذا؟ ".
" ممم... ميتافيزيقية. ما فوق الطبيعة. طبعاً هكذا يقول الناس العاديين. لكن للعلم رأي آخر ".
" وماذا يقول العلم؟" ، رسالة صوتية أخرى مني.
" هذا ما يجب أن تعرفه أنت حين تذهب إلى هناك" ،
رسالة منه.
- " أثرتَ فضولي" ، رسالة خامسة مني.
- "هههههه" ، رسالة عاشرة منه.
ويتساءل في نفسه لماذا لم يتصل به صديقه مباشرةً بدل مجموعات الرسالات الصوتية المتعبة هذه.
رسالة جديدة أخرى من صديقه :
"يجب أن تذهب إلى هناك لترى".
تزعجه كثرة الرسائل ، فيتصل به ويتحدّثان عن
المدينة تلك.
وبعد أخذٍ وردٍ بينه وبين صديقه ، اقتنع بالسفر إلى
"بيرتي كاييب" قائلاً :
" في السابق كان هناك أساطير لأن الناس كانت تسمع وتصدّق. أما اليوم ، حين استلم العلم مقود القيادة ،
فرّت كل الأساطير".
هو العالِمُ ، الذي بفضول قط ، قرّر أن يذهب إلى هناك.
وضع مسلتزماته وحاجياته في حقيبة ، وقرر السفر في اليوم التالي.
بعد رحلةٍ طويلة ، صوت كابتن الطائرة يذيع :
"الرجاء ربط الأحزمة. سنبدأ مسيرة الهبوط نحو مطار بيرتي كاييب".
يبحلق في الشبّاك ليرى المدينة تحته.
يرى شيئاً يطير.
" يا إلهي. كيف يحلّق بهذا العلو؟" .
بحلق أكثر.
الشيء الذي رآه يطير كان عنزة.
لا أستطيع ، أنا الرواي ، أن أكتب عبارة " تسمّر في مكانه" ، نظراً لأن راكب الطائرة عادة ، هو دائم التسمّر في مكانه.
ربما أكتب " انتشلته الصدمة من عقله". نعم.
"عنزة تطير؟" ، صرخ في نفسه.
غرف كل الماء المتوفر في القنينة والكوب أمامه.
ثم فرك عينيه.
ثم أعاد ناظريه نحو المدينة تحته.
لا أثر لعنزة. تنفّس الصعداء.
" يا لخيال الإنسان".
ربما هي عوارض مرض الفصام التي أصابت عالم الرياضيات الأميركي الشهير "جون ناش".
أعجبته الفكرة ، فضحك.
أخيراً ، ابتعدت الغيوم ، التي كانت واقفة مثل الأربعاء في نصف الجمة ، وظهر المطار.
مطارٌ لا يختلف عن أي مطار آخر.
إلى الآن كل شيء طبيعي عدا حادثة العنزة الطائرة تلك ، والتي هي محض خيال.
غطى العصفور الكبير على المدرج.
ترجّل نحو الرواق المعدني المتحرك ، ثم
إلى قاعة المطار.
موظفان بلباسهما الرسمي يحدقان بالوافدين.
يرمقهما ويُكمل طريقه.
" بشر مثلهم مثلنا. وكيف يقولون أنها مدينة
غريبة؟ "، همس في نفسه.
العلماء والروائيون والشعراء والمخترعون، والمتزوجون ، يتحدّثون دوماً مع أنفسهم.
يتوقّف فجأة. " هناك شيءٌ غريب ".
يعود ليرمق الموظفَين.
" أيُعقل؟ " ، يسائل عقله.
" عينٌ واحدة في كل وجه".
استل قلمه ، ثم دفتره الصغير ، من جيب قميصه ، وراح يكتب : " عينٌ واحدة في كل رأس".
يدير أحد الموظفين رأسه نحو جهة الشمال ليحدّث قطّة. يحدّقُ العالِمُ فيه. لا أذن له.
يدير رأسه لجهة اليمين. الأذن موجودة.
يفرك عينيه ليتأكد.
يتفحصُّ كلاهما مجدداً. المنظر نفسه.
يعود إلى دفتره الصغير. يرسم سهماً دالاً للأسفل بين كلمتي "واحدة" و "في" ، ويضيف تحت السهم :
" وأذنٌ واحدة".
يتعكّز على قدمَي الحيرة ، ويُكمل طريقة.
يرى أربعة طوابير أمامه. يقف في أقصرها.
موظف حكومي ، بلباسه الأزرق ، وقبعته الكاكي، يختم جوازات السفر.
وقف هو وراء الخط الأصفر.
ولمّا أتاه الدور ، اقترب من الموظّف. أعطاه الجواز وحدّق بوجهه.
" يا إلهي. عينٌ واحدةٌ أيضاً ".
أجرى مسحاً دقيقاً وشاملاً في جميع زوايا الرأس.
" وأذنٌ واحدة أيضاً ".
يرمقه الموظفُ بعينه الحمراء : " لماذا تنظر هكذا؟ ولماذا عينك حمراء. خذ جوازك وارحل قبل أن أوقفك بتهمة المخدرات".
يأخذ وجهه وجوازه وقدميه ، ويكمل طريقه.
يحمل دفتره ويدوّن ملاحظة أخرى.
يصل لمكان جلب الحقائب.
موظّفٌ مع عربة حديديّة يقترب منه.
يبحلق في عين الموظف الواحدة.
يستدير لناحية أذنه الوحيدة ويهمس : " أنا أخدم نفسي بنفسي".
يأخذ حقيبته ، ويترجّل حتى يصل صالة المستقبِلين.
بعضهم يرفع رايات عليها أسامي.
بعضهم يحمل الورد. بعضهم عيون الفضول.
بعضهم ضحكات اللقاء. وبعضهم دموع الإبتهاج.
كلُّ منهم يبدو مختلفاً عن الآخر. بثيابٍ متناقضة ، ووجوه متفاوتة .
لكن جميعَهم متشابهون في شيءٍ واحدٍ.
"عينٌ واحدةْ وأذنٌ واحدة ".
"غريب" ، قال في نفسه.
بالرغم من كل صولاته وجولاته في دنيا العلم والمعرفة والإستكشاف ، هو لم ير ظاهرة كهذه.
يُكمل طريقه إلى خارج المطار. يطلب تاكسي توصله إلى فندق الموفنبيك.
السائق الذي أقلّه لم يكن مختلفاً عن كل الباقين.
" أذنٌ واحدة ، وعينٌ واحدة".
لم يقل للسائق شيئاً. لم يتفوه بأي كلام. لم يفصح. لم يسأل. لم يستعلم.
هو لم يزل في المرحلة الأولى من المنهج العلمي :
مرحلة "جمع البيانات".
وصل لفندق الموفنبيك. ترجّل نحو صالة الإستقبال.
موظفٌ ضخمٌ وراء الكاونتر الفخم.
يُفَوْكِسُ على جمجمة الموظّف .
"عينٌ واحدة وأذنٌ واحدة".
يدوّن على دفتره الصغير :
" كلّ من صادفته منذ أن وطئت أرض المطار ..." ، ينظر في ساعته ويكتب :
" عند الساعة الخامسة والنصف بعد الظهر".
ينظر في ساعته مجدداً ويكتب :
" في الرابع عشر من آذار من العام 2005 ، ولغاية الآن ، لديه عيناً واحدة وأذناً واحدة ".
يصل إلى غرفته. يشغّل التلفزيون. نشرة الأخبار تتأهب.
موسيقى التمهيد تتنحنح. صنديحة المذيع تطل.
"عينٌ واحدة ترمق المشاهدين ".
وبعد دقيقة ، يدير المذيع رأسه نحو المرأة الجميلة المتأهبة بدورها لتلاوة بيان الطقس.
" الأذن الأولى غير موجودة".
وحين يعود المذيع ويصوّب ناظريه نحو لجماهير التي أمام الشاشات ، يركّز جيداً ثم يدوّن :
" الأذن الثانية موجودة".
"هذا يعني أنه أيضاً يملك عيناً واحدة وأذناً واحدة".
ويضيف : "وكذلك "ناشرة الطقس".
بعصبيبة يطفىء التلفزيون ، ويذهب إلى الحمّام ليأخذ دوش.
يقف أمام المرآة. يحدّق فيها. يبحلق.
يرمقُهُ وجهٌه يشبه وجهه ، لكن تنقصه عيناً واحدة وأذناً واحدة.
يترنّح إلى الوراء عدة خطوات. ويتمسك بمقبض الباب كي لا ينطرح أرضاً.
يعود بقدمين مرتجفتين نحو المرآة. فضوله العلمي يحثّه على الإستمرار . يرمق المرآةِ مجدداً.
وجه الـ"عين الواحدة والأذن الواحدة" ما زال "مُتنِّحاً" هناك.
يحمل دفتره ويدوّن.
" وأنا أيضاً أصبح لديّ عيناً واحدة وأذناً واحدة".
تأخذه القشعريرة من الحمّام إلى المكتبة.
يجلس. يحاول استرجاع أنفاسه التي خطفتها المرآة.
هو عالمٌ ، وعدّة شغل العالِم هي عقله ، لا عواطفه.
يفلش أمامه الدفتر الأبيض ويكتب.
" قبل أن آتي إلى هنا ، كان لديّ عينين وأذنين.
متأكدٌ من ذلك لأنني ، حين دخلت تواليت الطائرة ، قبل أن تشرع بالنزول ، رأيتهما فوق وجهي".
يفكّر قليلاً. يسترجع ذاكرته. ثم يكتب :
" نعم أنا متأكدٌ من ذلك. وأذكر إني أغلقتُ عيناً واحدة وفتحتُ الأخرى لحظة دخل ، عن طريق الخطاء، كمية صغيرة من معجون الأسنان فيها. رأيت على نعم. هكذا كان على وجهي بالتحديد : عينان وأذنان وفم".
وراح يكمل التدوين بعد اكتشافه المذهل :
" وبعد أن وصلتُ إلى هنا ، خسرتُ عيناً وأذناً".
انتهت المرحلة الأولى والثانية من المنهج العلمي ، وأتى دور المرحلة الثالثة ، ألا وهي :
مرحلة "صياغة الفرضيات".
دوّن على الصفحة أول فرضية : شبكة كبرى تديرها عصابة متموّلة ومتمرّسة ، وظيفتها نشل عيناً
واحدة ، وأذناً واحدة ، من كل وجه".
واستفاض بالفرضية : " ونجزم ، وبكل ما أوتينا من إيمان وتقوى ، أن أعضاء العصابة الشرّيرة ينتمون للطائفة الأخرى".
صدمته هذه الجملة.
" مِن أين أتتْ؟ وما شأن الطائفة والدين والإيمان بكل هذا؟ أهو الذي كتبها؟".
يطرح القلمَ أرضاً. يحاول التقاط أنفاسه مرة أخرى.
ولماّ استعاد العقل زمام الأمور ، يعود ويحمل القلم. يحاول شطب كلمة "طائفة" من الدفتر ، لكنه لم يستطع.
بيده الثانية ، أمسك يدَهُ الأولى ، وشدّ على أصابعه كي تُمحي قسراً كلمة "طائفة" ، ولكن دون جدوى.
لا. ليس فقط ذلك. بل أن القلم الذي في يده راح يخربش ويضيف : " وطائفتي وحزبي وزعيمي على حق ، وكل من خاصمهم باطل".
توسّعت حدقتاه حتى أصبحت بحجم ثقب أسود.
ثقبٌ امتص كامل عقله العِلمي المدرك المحلِّل.
رمى القلم من يديه مرة ثانية.
" ما هذا؟ أأنا الذي كتبتُ كل هذا؟".
وراح يلف الغرفة شمالاً يميناً : "ما الذي يحصل لي؟
أين طار المنهج العلمي؟ أين طار عقلي؟ ما قصة هذه المدينة؟ والعين الواحدة؟ والأذن الواحدة؟ ".
حمل حقيبته ونزل إلى الطابق الأول. دفع فاتورة الليلة الواحدة ، واستقل التاكسي الواحدة عائداً إلى المطار الواحد.
من هناك ركب أول طائرة واحدة صادفها ، ليعود من حيث أتى. إلى وطنه الواحد.
وما إن صارت الطائرة فوق الغيوم ، وابتعدت عن الحدود السماوية لـ "برتي كاييب" حتى ركض
مسرعاً إلى التواليت ، آخذاً معه دفتر الملاحظات.
رمق وجهه في المرآة ، فأدهشه ما رأي :
" يا إلهي" ، صرخ...
"وعينان وأذنان؟! ".
نسيتُ أن أذكر شيئاً قد يكون مهماً للقراء.
عندما كانت الطائرة تصعد بسرعة رهيبة نحو العلا، ارتطم نافذة قمرة القيادة بحيوان طائر.
للوهلة الأولى اعتقدناه عصفوراً أو حماما زاجلاً، لكن طفلاً يجلس في المقعد الأمامي راح يصرخ :
" بابا بابا ... عنزة عنزة".
وكذلك صرخت طفلةٌ من الجهة الثانية.
لكن الحمدلله ، بحمد ربه وحكمته ، وبكفاءة المهندسين ، أكملت الطائرة رحلتها بسلام.
( بقلم ربيع دهام)