الاثنين، 20 يوليو 2020

⚘أحاسيس ⚘ بقلم الشاعر و الأديب / سرحان الركابي

احاسيس

.........

لا ادري لما لا ارى الاشياء على حقيقتها من اول وهلة , مع انها موجودة بكامل هيئتها من اول نظرة , وكل شيء حولي يبدأ مختلفا او صغيرا او مختفيا عن ناظري ثم يظهر فجأة , الاشياء الصغيرة التي اراها , ليس بالضرورة ان تكون صغيرة في الحجم و الوزن , فقد تكون صغيرة في التأثير واثارة الانتباه وما تتركه من انطباع في النفس , فثمة اشياء تبدو على غير حقيقتها في بداية ظهورها , ثم تبدأ بالتشكل على هيئة جديدة او حجم مختلف , وكأنها كبرت او تحولت الى اشياء باهرة وساطعة في حضورها ووجودها , ولكن الغريب وبعد مرور فترة زمنية معينة , انسى البدايات في اغلب الاحيان , فلا اكاد اصدق , ان تلك النجمة الكبيرة المضيئة في سماء العالم كانت عبارة عن نيزك صغير وتافه , ولا يكاد يهتم لامره احد , فاتعامل على هذا الاساس مع الواقع كما هو , اذ ليس بمقدوري ان اعيد تشكيل العالم حسب مزاجي , فاحاسيسي المصممة في داخل جسدي هي التي تقودني وهي التي توجهني نحو الاشياء التي ارغبها او تلك التي انفر منها , وبما ان هذه الاحاسيس على تماس مباشر مع العالم الذي يحيط بي , فغالبا مع كنت ارى ذلك العالم معكوسا فوق مرايا مهشمة ومشطورة , وانا اتحدث هنا عن الاحاسيس وليس عن الحواس , فالحواس هي مجسات كبيرة او تلسكوبات هائلة تلتقط اعقد الاشياء واصعبها , ومن خلالها ناخذ صورة كاملة عن العالم , الفرق بين الحواس والاحاسيس كالفرق بين الة التصوير ( الكاميرا ) وشريط السينما الذي تسجله تلك الالة , فالحواس هي الكاميرا , والاحاسيس هي الشريط الذي سجلته تلك الكاميرا ,

. لكن من يدري ؟ فربما نحن مخدوعون حينما نصدق تلك الحواس وما ترسمه لنا من مشاعر ومدارك ومعارف وصور , اذ ان الفرق بين الوهم والحقيقة خاضع لمجسات تلك الحواس نفسها , واذا اردنا ان نفرز الحقيقة عن الوهم ونميز بينهما , فعلينا اللجوء الى تلك الحواس نفسها , وهنا المشكلة , فنحن والحالة هذه , كأننا نقف امام قاضي ليحكم لنا و علينا , وهذا القاضي هو الخصم وهو الحكم نقسه , وعلى مقولة انت الخصم وانت الجكم ,

. من منا يستطيع ان يغوص خلف غموض هذا العالم دون الاعتماد على حواسه , وقدراته الحدسية ؟ تلك الحواس التي تشعل فينا احاسيس وصور مختلفة عن الاشياء التي نتعامل معها , كاختلاف العالم المتشعب والمنبسط والمقعر , حتى ليبدو ان تلك الاحاسيس هي ترجمة لاشياء العالم وموجوداته المتنوعة

. اقول هذا وانا اتحدث عن زميلتي التي تجلس بجانبي في كل يوم على نفس المنضدة , وتعمل معي وتحت امرتي ولا تخالف لي امرا , وكانني قدر مقدر , ومكتوب عليها ان تستسلم لهذا القدر طواعية وعن طيب خاطر , كنت ارى وجهها الطافح بالاصباغ الفاقعة في الصباح الباكر فاشعر بالغثيان وافقد شهيتي للاكل تماما , فحالما اراها , ترتسم لي صورة لكائن او جنس ثالث غريب الاطوار , وجنتاها منتفختان , و ثمة شبه كبير بين تلك الانتفاخة البارزة في وجهها وبين تلك الشرائح اللحمية المعدة للطهي والتي غالبا ما اراها في المطاعم , انها متورمة وليست ناضجة , ولذلك صرت اتعمد تناول فطوري في البيت قبل المجيء الى الدائرة , وحينما تدعوني لتناول الفطور معها صرت اختلق الحجج والاعذار كي افر بجلدي من هذا المهرجان الصباحي المقرف , وكانت عيناها كبيرتين بحيث تبدوان لي مثل عيني كائن مذعور وهارب من مصير موحش , وحينما كان الناس يزدحمون حولي من اجل مراجعة سجلاتهم ومنحهم تواقيع تثبت صحة سجلاتهم كانت تقف الى جانبي لمساعدتي , وتوفر لي كل شيء حتى الاشياء التي لم اطلبها منها , لكنها ما ان ترتكب خطأ بسيطا حتى انهال عليها بالعقاب الصارم والتوبيخ القاسي وسط ذهول الناس وحيرتهم حتى ظن البعض من الناس انها زوجتي

. حينما تقترب مني مستغلة فرصة الزحام في العمل اشعر بطرف فخذها وهو يحتك بساعدي الايمن , لا ادري ما اذا كانت هذه الحركة بريئة وغير مقصودة ام انها تتعمد هذا الامر وتخطط له بقصد وسوء نية , في تلك اللحظات لم اكن اتخيل كيف تبدو ملامح وجهها , ورعشة جسدها الذي تفوح منه رائحة تذكرني برائحة امي حينما كنت اندس بين احضانها بجسدي فاغوص في عالم آمن ودافيء , بل كنت اتخيل فقط تلك الانتفاخة الفاقعة والمقززة وهي تقترب مني وتحتك بساعدي , واحمد الله ساعتها اني تناولت فطوري في البيت ولم تعد بي حاجة الى الاكل , وحينها اشعر بمصارين بطني وهي تصدر اصواتا غريبة , وكأن معارك طاحنة تدور هناك في الداخل , بينما هنا في الخارج اجد نفسي وقد شعرت بالاختناق والغثيان , اذ ليس اصعب من ان تجبر نفسك على التغاضي عن احساسك بالضيق وان تفتعل ابتسامة بلهاء على وجهك كي لا يشعر زميلك بانه يسبب لك ضيقا وحرجا , انها احاسيس تنبعث في داخلي ولا اعرف مصدرها او كنهها او سببها

. وعلى الرغم من ذلك وفي مرات كثيرة , كنت ارى بعض الموظفين والزبائن وهم يتوددون الى زميلتي , ويحاولون التقرب منها او افتعال الاحاديث الجانبية معها , وحينها اشعر انهم عبارة عن اناس متبلدي المشاعر , او انهم لا يمتلكون مشاعر اصلا , وبوصلة اذواقهم منحرفة , او انها عاطلة عن العمل تماما , ولذلك لم يعودوا قادرين على التمييز بين ما يسر النظر ويبهج الخاطر وبين ما يسد النفس ويفقدها شهيتها للاكل .

وفي احيان اخرى كنت اعذر هؤلاء الناس الذين يتوددون الى زميلتي , والى كل النساء اللواتي تصادفهم في كل الامكنة , واعتقد ان مشاعرهم ليست متبلدة الى الحد الذي بالغت في وصفه , وربما استطيع اعزو سبب نفوري من النساء لتجربتي الفاشلة في الزواج , فأنا احب السهر والعزلة والتدخين , وكنت احلم بزوجة جميلة مطيعة وذكية وتشبه الجارية تماما , تلبي كل طلباتي دون ان تفتح فمها بكلمة واحدة , لكن زوجتي بدلا من ذلك كانت تخطط لتاسيس اسرة كبيرة , واقامة بيت دائم , ورباط زوجية لافكاك منه , لذلك كانت تعمل في البيت ليل نهار , تطبخ وتمسح , وتسقي الحديقة وتغسل الافرشة والبطانيات , واحيانا تغسل ملابسي مرتين قبل ان ارتديها مرة واحدة على الاقل , وفي المساء تشعر بالتعب والارهاق الشديد فتنام بعد مغيب الشمس مباشرة , حتى دون ان تنظر الى عقارب الساعة المعلقة على الجدار , وحينما اعود من سهراتي اجد البيت فارغا , يخيم عليه الصمت ولا يبدد صمته سوى صوت شخير زوجتي المدوي , وجسدها المرمي في الصالة مثل جثة هامدة , لذلك افترقنا ولم اعد افكر بالزواج ابدا ,

. في صباح ما , لم اعد اتذكره , شعرت باحساس مختلف عما كنت احسه تجاه زميلتي , لم اكن اصدق ان ثمة احساس جميل ولذة تسري في عروقي مع هذه المخلوقة الغريبة , حينما لامستني بفخذها , ومسدتني رائحة جسدها الزكية ., لقد مرت سريعا وهي تحمل حزمة من الاوراق , وتمنيت ان يطول مقامها على هذه الحال , لم تتغير نظرتي تجاهها , مازالت في نظري امراة قبيحة الشكل تلطخ وجهها مساحيق التجميل والاصباغ الفاقعة , لكن احساسي فقط تغير , صرت اشعر بالنشوة حينما تقترب مني , لكنها كانت تؤدي عملها دون اكتراث , وابتعدت وهي تبحث عن بعض السجلات التي طلبتها منها , كانت تريد ان تعرف نوع السجلات التي طلبتها منها فلاحت منها نظرة عابرة تجاهي , انحنت بجسدها الرشيق والفاتن نحو الاسفل , فتدلى شعرها الاسود وغطى نصف وجهها , وبانت عيناها من خلف شعرها الذي انحدر نحو الاسفل , فبزغت واشرقت مثل نجمتين متلألئتين وهاربتين خلف غيوم كثيفة , تساءلت في نفسي , من اين لها هذه الهيئة الانثوية الساحرة , يالها من شيطانة , كانها ابدلت جلدها المقرف ولبست جلدا جديدا ناعم الملمس , ذكرتني تلك النظرة الساحرة بلقطات الدعاية السينمائية , لقطات الاغراء والفتنة , ولم اعد اثق بحواسي , وصرت اشك اننا قادرون على التقاط صورة حقيقية للاشياء التي تحيط بنا , وغاصت بي الاسئلة مثل فيلسوف يقف امام محراب معضلة معرفية تعترض طريق بنيانه الفلسلفي ,وكان ديكارت حاول ان يجيب عن هذا السؤال , اراد ان ينهي الشك الذي يحيط بحواسنا وان يمنحها الثقة الكاملة بتلك الحواس , وان كل ما تقوله حواسنا ليس وهما , فقال قولته الشهيرة , انا افكر اذن انا موجود , وربما يحق لي ان اقول بناءا على ما قاله ديكارت , انا اشعر اذن انا موجود , اذ ليس من المعقول ان تكون حواسي تمارس معي الخداع الى هذا الحد الذي تصور لي تلك المخلوقة الغريبة والقبيحة وهي بهذه الفتنة والجمال

. بعد فترة الاستراحة رايتها تذهب الى غرفة مجاورة لغرفتنا , وهناك خرجت مع احد الزملاء و تناولت معه الفطور , كانا مبتسمان وسعيدان ., بينما كان صوت شخير زوجتي وتأوهات امي وهي تتالم من نوبات الالم الليلي , ترن في اذاني

. في صباح اليوم التالي جئت الى الدوام متاخرا , وكانت زميلتي تجلس في نفس المكان الذي اعتدنا ان نجلس فيه سوية , بدت لي انيقة ووادعة في جلستها , لم ادخل مباشرة الى الغرفة وانما وقفت في الباب وتطلعت في وجهها , فوجئت حينما اكتشفت ان وجهها مدور بشكل لطيف , وانفها دقيق ومنسجم مع استدارة وجهها , لم اشاهد ذلك الانتفاخ المقزز الذي يشبه شرائح اللحم المشوية , وبدلا من ذلك رأيت خدين متوردين تكسوهما حمرة خفيفة , كان وجهها مشعا ونضرا , و تلك الحمرة الخفيفة تزيدها فتنة وسحرا , وتحت عينيها ثمة هالة تشبه تدرجا لونيا او حزمة طيق ضوئي جميل واخاذ ,

. نظرت نظرة عميقة الى زميلتي , واعدت النظر اليها , كأنها ليست هي , على الرغم من انها هي نفسها , ولم يتغير فيها شيء على الاطلاق , لكن هكذا انا على الدوام , لا ارى الاشياء على حقيقتها من اول وهلة , رغم انها موجودة على هيئتها هذه من اول نظرة , وكان الانتفاخ المقزز على وجهها عبارة عن وجنة متوردة يكسوهها طيف لوني مائل الى الحمرة يزيد من بهاء وجهها , وكانت عيناها مشرقتين وهما محاطتان بهالة لونية اخاذة ومائلة الى السمار ,

, لم اعد اتناول فطوري في البيت , على امل ان نفطر سوية , انا وزميلتي , لكن وفي كل مرة اصل فاكتشف ان زميلي الاخر قد سبقني اليها , وظلت تتناول فطورها في كل صباح مع زميلها , بينما اجلس انا وحيدا ونائيا واكل بعدم شهية حتى ذبل لوني وشحب وجهي

. ذات صباح وصلت الى الدوام مبكرا , وسلمت على زميلتي بحرارة , وقد ذهبت تلك التقاطيع القاسية التي كنت ارسمها على وجهي حينما اتحدث معها , وبدلا من ذلك , صرت انسانا ودودا وعطوفا معها , لكنها لم تعرني انتباها , وقد تغير لون وجهها حينما طلبت منها ان نفطر سوية , ثم اعتذرت بكل لطف وادب وقالت انها تناولت فطورها في البيت , لا اعرف ما اذا كان عذرا وتهربا منها ام انها فعلا باتت تتناول فطورها في البيت , واذا كانت فعلا باتت تتناول فطورها في البيت كما تقول , فماذا يعني هذا ؟ ايعقل مثلا انها ........ لا لا من غير المعقول ان يكون هذا . رباه , ما هذا الجحيم الذي اخوض فيه ؟ واي مشاعر واحاسيس متقلبة هذه التي نمتلكها نحن البشر ؟ , ربما بات منظري يسبب لها قرفا ويسد شهيتها كما كانت تسد شهيتي ؟ راودني هذا الهاجس الغريب على حين غفلة , فاسرعت نحو المرآة لارى وجهي ومنظري , وهناك رايت ما لم اصدقه , وما لم اره من قبل في ملامحي , كان وجهي منتفخا , وتلك الانتفاخة تشبه شرائح اللحم المعدة للطهي , انها تشبهها تماما , وعيناي غائرتان خلف محجرين متكهفين , وانفي طويل , وتساقط شعر راسي فصارت هامتي صلعاء وحواجبي منتوفة مثل ريش طائر غريب ,

وعندما جلست فوق المنضدة ادرت وجهي عن زميلتي , التفت الي , ارادت ان تعرف ماذا حل بي , لكني ابتعدت عنها بوجهي , تمنيت ان اخفي وجهي عنها , لم ارغب ان تراني وانا على هذه الحال , المسكينة ربما كانت تجاملني وتتحمل من اجلي الكثير , فكم كنت اسبب لها ضيقا وحرجا , لكن يبدو انها كانت تبتسم لي مراعاتا لمشاعري , يالها من فتاة لطيفة وجميلة وخلوقة , ويالي من زميل صفيق ومعتوه وقبيح ومغرور , لكن هل كانت تبتسم لي مراعاتا لمشاعري ام ان ابتسامتها حقيقية وليست مفتعلة ؟ وهل كانت قبيحة الى تلك الدرجة التي تسبب لي قرفا واشمئزازا ام انني انا القبيح والمقرف , ترى كيف استطيع ان اعرف الحقيقة , هل من خلال احاسيسي المتقلبة فقط ام ان ثمة اشياء اخرى نستطيع ان نحتكم اليها لنعرف الحقيقة ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

🥀من يشتري مني كلمات🥀بقلم الشاعر/ معز ماني

 من يشتري منّي كلمات ؟ فقد تعبت .. من حمل هذا العالم في قصيدة  ومن تنظيف الخراب بالمجازات .. من يشتري منّي كلمات ؟ لقد هرمت .. وأنا أشرح للن...